جلال الدين السيوطي

170

الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع

وقال أبو عقيل : جعلت الصوفية الشريعة اسماً وقالوا : المراد منها الحقيقة ، قال : وهذا قبيح لأن الشريعة ما وضعه الحق لمصالح الخلق وتعبداتهم ، فما الحقيقة بعد هذا سوى واقع في النفوس من إلقاء الشياطين ؟ وكل من رام الحقيقة من غير الشريعة فمغرور ومخدوع ، ومنها أن يدخل عليهم الشيطان لجهلهم ، فيقول لهم : اعلموا أنكم لن تنجوا في الآخرة إلا بكثرة العمل ، وترك الدنيا ، وترك الاشتغال . فيخرج أحدهم على وجهه ويفارق الجمعة والجماعة والعلم . وربما كانت له عائلة أو والدة فبكت لفراقه . وربما أنه لم يعرف أركان الصلاة كما ينبغي . وهذا لقلة علمه ورضاه عن نفسه بما يعلمه . وهذا خطأ عظيم فإن مفارقة الجمعة والجماعة حرام وخسران ظاهر ، وتعلم العلم فرض ، والبعد عن العلم والعلماء يقوي سلطان الجهل ، وتضييع المال منهي عنه ؛ والدنيا لا تذم لذاتها ، وكيف يذم ما منّ الله تعالى به وما هو ضرورة في بقاء الآدمي وسبب في الإعانة على تحصيل العلم والعبادة ، وإنما المذموم على طلب الدنيا أخذ الشيء من غير حلم ، وتناوله على وجه السرف ، لا على مقدار الحاجة ، وتصرف فيه بمقتضى رعونات النفس ، لا بإذن الشرع . والخروج إلى الجبال منفرداً منهي عنه ، قال بعض السلف خرجنا إلى جبل نتعبد فيه فجاءنا سفيان الثوري ، فردّنا .